في زمن تكثر فيه ملامح التطير وانتشاره والأصوات التي تتحدث جهلًا منها بكونها تسهم في إعلاء شأنه، ومن ذلك المبالغة في الإيمان بالعين والحسد وغيرهما، نجد أن هناك عودة لملامح الجاهلية الأولى وما قبلها، والتي تُقدم الإيمان بوقع الأشخاص والأحداث والتطير بها على قوة الإيمان بالله وما تأتي به من حصانة وما تدفعه من شرور وتهدي إليه من توفيق.

والقرآن الكريم في ذكره لأهل التطير لم يخبرنا عن كونهم من أهل الصلاح في الغالب، فأهل التطير تطيّروا بالأنبياء والمرسلين.

– ﴿فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَٰذِهِ ۖ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَىٰ وَمَنْ مَعَهُ ۗ أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾
سورة الأعراف، الآية 131

– ﴿قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ ۚ قَالَ طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ ۖ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ﴾
سورة النمل، الآية 47

– ﴿قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ ۖ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾
سورة يس، الآية 18

– ﴿قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ ۚ أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ ۚ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ﴾
سورة يس، الآية 19

وذلك لا يعني عدم وجود احتمالات للشر قد يأتي بها أو يتسبب بها الآخرون، ولكن إن كان التطير هو أول الظنون والتخمينات وأرجح الإيمان والتصديقات فإنه سيكون السبيل لاختراق إيمان الإنسان وإعادته إلى ما قبل الجاهلية الأولى التي تظن أنها على خير وصلاح واستقامة أبد الدهر، وذلك الظن من شأنه أن يصرف الإنسان عن فرصة مراجعة نفسه والتفكر بها، والوعي بأن الحياة وتقلباتها والظروف وتحدياتها قد تديرها مقاصد المشيئة الإلهية لتأتي على الإنسان لاختبار الإيمان فيه ليتجذر ويتقوى هو فيه، أو لإرشاده بوجود ضعفٍ أو إشكالٍ في بنيانه ليعمل على إصلاح ذلك البنيان كي لا يجد نفسه هالكًا تحت أنقاضه في يوم من الأيام.

ولأن الضعف جزء من طبيعة خلق الإنسان والتكوين الإنساني، فإن تفهم أسباب سهولة انزلاقه نحو التطير يمكن تقدير أنها ليست إلا جزءًا من ضعفه، ولكنها قد تكون منفذًا للشيطان في ذات الوقت ليبني في نفس الإنسان مستوطنات تُبث فيه أصوات وهواجس ووساوس وأفكارًا سوداوية حول الحكمة الإلهية أو الحياة وطبيعة الإنسانية، كما أن مد النظر والمقارنات والدخول في نديات وسباقات تخرج الإنسان من سياق تجربة الحياة لاستكشاف النفس وتزكيتها لتكون حاملةً للأمانة ومؤديةً للرسالة محسنةً ومسلمةً بالعبودية لله، تقوده إلى سياق الانشغال بخلق صورة عن نفسه في الحياة ليكون له صورة كما الآخرين، والمنشغل بالصور قد لا يتجاوز حدودها ولا يخرج من عبء ما تفرضه عليه من وجوب التصديق بما يصدق ويؤمن به الآخرون وما يحركهم من شعور بالرغبة بالسيطرة والتقدم والتفوق الذي قد يكون مدفوعًا بالاحتياج للنجاة من الشعور بالخزي والعار في حال عدم النجاح في عالم الصور أو الحفاظ على ذلك النجاح فيه.

والتقاطع بين الشرور التي يحتمل أن يتسبب بها الآخر وتنتهي إلى التطير به والاختبارات التي تأتي بها المشيئة الإلهية لتختبر الإيمان وتهدي الإنسان إلى إصلاح البنيان لتصلح النوايا قبل الأقوال والأعمال، وأيضًا الإجهاد والاستنزاف الذي يأتي من تحديات الحياة وتقلبات الظروف والاحتياجات غير المشبعة ومحاولة التعايش مع اضطرابات الآخرين ورغباتهم وتصوراتهم واشتراطاتهم، حينما يتقاطع ذلك كله ويصطدم ببعضه في وقت واحد، نجد أن الإنسان قد يقع عليه ما يستدعيه لأن يرى الأمور على حقيقتها، ويعرف احتياجات نفسه ومتطلباتها رأفةً ورحمةً بها، لا أن يتجه للتطير كدرع يحمي به ما يمكن أن لا يكون إلا خواءً وضعفًا نفسيًا واستيطانًا وتملكًا لصوتٍ شيطاني.

فالتطير ليس ما تحتاجه النفس لتحتكم إليه في حال اضطراباتها أو اضطرابات الحياة، بقدر ما تكون بحاجة لمراجعة شمولية تنتهي لاختيار تقديم الرحمة والإحسان إليها من خلال الرعاية التي تأتي من انتقاء نمط الحياة والعلاقات التي تقوم على التألف والتفقه فيما ينتهي إلى اختيار الوسطية في الدين والمطالب والمطامع من الحياة، وبما قد يقدمه الطب والفكر والفلسفات الحياتية من معينات تُعين على رؤية المخرج الحقيقي الذي يهدي للاتزان لا إلى الضلالات والأوهام، وذلك المخرج بالطبع لن يكون بابًا حينما يخرج الإنسان منه سيشهد انتهاء كل الأعباء وصمت كل تلك الأصوات وسقوط كل الذكريات وانقطاع تأثير كل اضطرابات العلاقات، فالحياة ستكون دائمًا بين مد وجزر تعطي الإنسان وتأخذ منه، ولكن على الإنسان أن يتعرف على ما ينبغي أن لا يسمح للحياة أو للآخرين أو لمن تمسهم الشياطين فيها أن يأخذوه أو يسلبوه منه، على الإنسان أن يعرف ملامح إنسانيته وطبيعتها وقيمته وحقيقتها في عالم يتصنع ويصطنع الملامح التي تعيده وتعود به إلى ما قبل الجاهلية.

وفي الختام لا تأتي هذه التدوينة التأملية لتنكر وجود العين والحسد وغيرها من الشرور واحتمالات الشر التي يحملها الآخرون، ولكنها تأتي كدعوة لخلق مساحة لإعادة تفسير الأحداث والأشياء والتعرف على النفس وفهم احتياجاتها بعيدًا عن النظرات المتوارثة التي تحمل شيئًا من التطير والتشاؤم، ولتحريك الدافعية التي تدعو للانشغال بالطيبات والعمل بالأسباب المعينة على تجاوز ما يكيده العنكبوت وينسجه من خيوط لاصطياد الإنسان أو تقييده عن الامتداد والتوسع.


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *